محمد أبو زهرة

3480

زهرة التفاسير

اللّه تعالى واللّه لا يخلف الميعاد ؛ وبسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ عطش شديد كذلك الذي اعتراهم في تبوك حتى كادت أعناقهم تتقطع من العطش ، لولا أن النبي استسقى السماء لهم فأغدقت . وَلا مَخْمَصَةٌ أي جوع شديد ، كالذي أصابهم في هذه الغزوة ، التي فتحت الباب للشام ، إذ أصابهم جوع شديد حتى إنهم كانوا يتقاسمون التمرة ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي لا ينزلون أرضا تدخل في حماية الكفار ، يكون وطؤها فيه غيظ لهم ، إذا انتهكوا حمى أرضهم ، ولم يستطيعوا حمايتها من جيش الحق والإيمان ، وذلك فيه عنت شديد لهم وإهدار لحرمات أرضهم ، وفي ذلك إذلال لهم بعد أن كانوا لا يمس أحدهم حماهم الذي يحمون وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ، بأن يحاربوا فيهزموهم . أي أن ظمأهم الشديد ، وجوعهم الذي صبروا عليه ، ووطأهم أرض العدو الكافر التي كانت لا ترام ، ونيلهم من بنى الأصفر الذين يتحكمون ، ولا مسيطر عليهم أو محاسب ، ما من أمر يقوم به أهل الإيمان إلا كتب اللّه تعالى لهم به عملا صالحا عند اللّه ، ينال أهل الإيمان به رضاه أولا - واعتزازهم بالحق ثانيا ، وجنة النعيم ثالثا ، ولذا قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، أي أن ذلك الجزاء العظيم أجر للعمل الصالح ، وسماه سبحانه أجرا تكرما منه وتفضلا ، وإلا فلا أجر إلا بفضله لأنه المنعم ، والعبد ملك لسيده ، وسمى الذين يقومون بحق الجهاد محسنين ؛ لأنهم قاموا بما وجب عليهم ، وأحسنوا الطاعة ، وأبلوا فأحسنوا البلاء . هذا نوع الجهاد بأنفسهم ، إذ تركوا الراحة ومتعتها ، وأثروا البلاء فأخذهم الظمأ ، والجوع ، ووطئوا أرض العدو ونالوا منه نيلا . وهناك نوع الجهاد بالمال ، وقطع الفيافي والقفار ، وما يكون فيه من جهد بالمال ، والنفس ، وقد قال سبحانه فيه : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) .